وائل نجم يكتب: ثقافة الاختلاف بيننا - محاماة نيوز

وائل نجم يكتب: ثقافة الاختلاف بيننا

بقلم : وائل نجم الزيارات : 864  زائر بتاريخ : 06-01-2017

الاختلاف والتفرُّق من المظاهِر التي تلمُّ بالسلوك البشري نتيجة للحَرَكة العقلية والفِكرية، التي تفرضها ضرورةُ التعامل فيما بينهم، وفيما يُحيط بهم من الكائنات، وهو مِن السُّنن والقوانين التي أقام عليها ربُّ العالمين نظامَ الكوْن والحياة.

 

ومِن قوانين الحياة هذا التدافُع بيْن بني الإنسان الذي يحمل أحيانًا صورةً عقليةً وفِكرية، وأحيانًا يشتدُّ فيأخذ شكل الصِّراع المادي، وهو في الحالتين ضرورةٌ لصلاح الأرْض واستمرار الحياة عليها؛ إذ يقول سبحانه: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة : 251]، كما يقول - عزَّ مِن قائل -: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج : 40].

 

ولا داعي للتشنج في طرح الأفكار فلم يتعصب الرسول الكريم و لا غضب ممّن خالفوه حتى في شرع الله بل اشتغل على دعوتهم بالحسنى و اللين ومحاولة إقناعهم بما تفقه عقولهم و ما هو أقرب إلى نفوسهم

 

ارجوا الا يتحول اختلفنا في الآراء إلى حق وضغينة وجروح ويبقى الاحترام والحب والتعاون بيننا فيما اتفقنا فيه ونحترم اراء بعضنا البعض في الاختلاف فنحن عرب

والعروبة تعني الأصالة و التفرد و التميز- تعني كرم الأخلاق و الشهامة - تعني الطيبة و التعاضد و التكاتف

قد نختلف ولكن لا نفترق

قد نختلف ولكن لا نحقد على بعضنا بعضا

قد نختلف ولكن لا نتكلم على بعضنا بعضا

قد نختلف ولكن لا نجرح بعضنا بعضا

قد نختلف ولكن لا يقصي بعضنا بعضا

قد نختلف ولكن لا نقتل بعضا بعضا

هل من الممكن ان نختلف ونتعايش

 ونحن كمسلمين لا ثوابت لنا إلا ما أملاه علينا ديننا و ما دون ذلك قابل للآخذ و الرد و التفاوض و حتى فيما يتعلق بديننا فلا نستطيع فرضه على الآخرين - لا نملك سوى الموعظة الحسنة و المعاملة الطيبة و محاولة إنارة بصيرة من يرغب في ذلك

لكن لا يمكننا أن نجبر أحدا على اتباع ما نتبع و تصديق ما نؤمن به - فالدعوة تكون بالحسنى و بالحجة القوية .. بالعلم و المعرفة دون إجبار و لا إكراه ؛فنحن نهاية علينا بأنفسنا ..نحاسب عليها و نحمل وزرها فقط -إن كان الأمر هكذا في ديننا فما بالنا بالأمور الاخرى

فكل ما سواه يبقى ضئيلا قابلا لكل تغيير بتغير الظروف

العرف، العادات، الجنسية ،التقاليد، المناسبات ،و آراؤنا السياسية و الاجتماعية

كلها أمور تبقى قابلة للتغيير و للتفاوض قابلة للتصديق أو المعارضة

 

لقد تشتتنا عن الهدف الأهم : محاولة المساعدة و إيجاد الحل و التفكير ووضع النقاط على الحروف و بالتالي تكون المحصلة حوارا فاشلا يفتقر إلى الرقيّ و أهم مقومات النجاح و الإنسان الذي يشارك في حوار كهذا أو يعتمده أسلوبا لحياته يسيء لنفسه و يقلل من قدرها فالنفس كما ترتقي بها تجدها .. و ليس انتصارا أن أتمكن من حصد المؤيدين و رمي الثقيل من الكلام حتى يصمت من أمامي بل هي إهانة لنفسي أن يليق بها هذا المستوى

فالأنانية تولد الحسد ، و الحسد يولد البغضاء ، و البغضاء تولد الاختلاف ، و الاختلاف يولد الفرقة ، و الفرقة تولد الضعف ، و الضعف يولد الذل و الذل يولد زوال الدولة و زوال النعمة و هلاك الأمة

 

فلا يعني كون الآخر يختلف معي أنني على خطأ أو أن ذلك يقلل من اعتباري و شأني

و لا يعني أن نتعارض أن أحدنا مخطئ و الآخر مصيب - فلا يوجد خطأ مطلق و لا صح مطلق في حياتنا - فكل رأي يحتمل الخطأ أحيانا و الصواب أحيانا- وكما قال الإمام الشافعي : ( رأيي صواب يحتمل الخطأ و رأي الآخرين خطأ يحتمل الصواب)

ان المجتمعات التي تتقبل الآخر وتعيش معه في سلام هي أكثر المجتمعات تقدما و تماسكا

ومن الصفات  الحضارية الغائبة عن أغلبنا هي تقبل الآخر و التعايش معه تقبله كما هو بفروقاته و اختلافاته العرقية و الفكرية و حتى الدينية  للأسف يتبع معظمنا مبدأ ( إما معنا أو علينا) وكأنّنا فطرنا على التمسك بالرأي الشخصي و التعصب الشديد له - فلا نتقبل معارضة من أحد ؛و ينعكس عدم تقبلنا للرأي المخالف بشكل غير حضاري للآسف وأحيانا يؤدي إلى نتائج وخيمة عظيمة وربما الى شجارات او مقاطعة أو عداوة

 

ليس خطأ أن يتمسك الإنسان برأيه طالما أنه مقتنع به - و ليس خطأ أن يحاول إنسان إقناع الطرف الآخر بوجهة نظره التي يعتقد مليا أنها صحيحة-  لكن الخطأ في الأسلوب و في العنف المستخدم لفظيا أو معنويا،أو حتى جسديا لإجبار الطرف الآخر على الرضوخ لرأي واحد ،أو إعلانه عدوا مطلقا و إنسانا جاهلا لا يعرف شيئا و لا يفهم لآنه عارضنا و يقول عكس ما نقول

 

ان الانسان الذي يخالط الآخر المختلف ثقافيا و حضاريا و دينيا؛ و يتمكن من مناقشته و العيش معه بشكل راقي يكون أكثر ذكاء اجتماعيا و أكثر سعة في المدارك و الثقافة

من أولئك الذين يربّون في مجتمعات مغلقة لا تعرف سوى ما تعلمته و لا تتقبل أي رأي مغاير أو ثقافة جديدةعلى نطاق الاسرة أو المحيط

 

أن الأيام كفيلة بإظهار من هو على حق و من حاد عن الصواب ??

 

فلنستغل أوقاتنا و أفكارنا و طاقاتنا فيما يفيدنا و غيرنا في البحث عن حلول و بدائل توفر حياة أسهل في محاولة حل المشاكل المستعصية والمساهمة في إعادة هيكلة مجتمعاتنا والحفاظ على تماسكها بالتكافل و التعاون فيما يفيد الجميع ...

أليس هذا أفضل من تضييع الوقت في التخطيط و التفكير في كيفية هدم بعضنا و سحق الآخرين ؟؟

 

 

 

عفوا ......
لايوجد تعليقات مسجله حاليا لهذا المحتوى