حجية كاميرات المراقبة كدليل رقمي في الإثبات الجنائي - محاماة نيوز

حجية كاميرات المراقبة كدليل رقمي في الإثبات الجنائي

الزيارات : 1248  زائر بتاريخ : 14:50:46 07-12-2019

أصبحت كاميرات المراقبة والأدلة الرقمية إحدى مميزات عصر التطور الرقمي الذي نعيشه، حتى صارت أحد أدلة الإثبات الجنائي في العديد من القضايا والحوادث، إلا أن حجيتها في إثبات الجرائم تواجه العديد من المشكلات القانونية بسبب ندرة التشريعات وحداثتها.

 

والأصل أن الجرائم على اختلاف أنواعها إلا ما استثنى منها بنص خاص، جائز إثباتها بكافة الطرق القانونية ومنها البينة وقرائن الأحوال، والقانون أمد القاضي في المسائل الجنائية بسلطة واسعة وحرية كاملة في سبيل تقصي ثبوت الجرائم أو عدم ثبوتها، والوقوف على حقيقة علاقة المتهمين ومقدار اتصالهم بها.

 

ففتح له باب الإثبات على مصراعيه يختار من كل طرقه ما يراه موصلا إلى الكشف عن الحقيقة، ويزن قوة الإثبات المستمدة من كل عنصر بمحض وجدانه، فيأخذ بما تطمئن إليه عقيدته ويطرح ما لا ترتاح إليه، غير ملزم بأن يسترشد في قضائه بقرائن معينة بل له مطلق الحرية في تقدير ما يعرض عليه منها، ووزن قوته التدليلية في كل حالة حسبما يستفاد من وقائع كل دعوى وظروفها بغية الحقيقة التى ينشدها، أنَّى وجدها ومن أي سبيل يجده مؤديا إليها ولا رقيب عليه في ذلك غير ضميره وحده.

 

ولذلك كان القاضي غير مطالب إلا بأن يبين في حكمه العناصر التي استمد منها رأيه والأسانيد التي بنى عليها قضاءه، وذلك فقط للتحقق مما إذا كان ما اعتمد عليه من شأنه أن يؤدي عقلا إلى النتيجة التي خلص هو إليها من عدمه.

 

إلا أنه محظور عليه أن يبني حكمه على دليل لم يطرح أمامه بالجلسة، يستوي في ذلك أن يكون دليلا على الإدانة أو البراءة، وذلك كي يتسنى للخصوم الاطلاع عليه والإدلاء برأيهم فيه.

 

الدليل الإلكتروني في القضايا

لقد عرَّف قانون التوقيع الإلكتروني المصرى رقم 15 لسنة 2004 الكتابة الإلكترونية بأنها: كل حروف أو أرقام أو رموز أو أى علامات أخرى تثبت على دعامة إلكترونية أو رقمية أو ضوئية أو أية وسيلة أخرى مشابهة وتعطى دلالة قابلة للإدراك.

 

فهو إذن يتكون من بيانات ومعلومات إلكترونية غير ملموسة ويتطلب إدراكها الاستعانة بأجهزة وبرامج معينة، ويقدم معلومات في شكل نصوص مكتوبة أو صور أو أصوات أو أشكال أو رسوم عن طريق ترجمة البيانات الرقمية المخزنة في أجهزة الكومبيوتر وشبكات الاتصال لإثبات واقعة معينة ونسبتها إلى شخص معين.

 

 

 

 

وهذا الدليل الرقمى يمكن الحصول عليه من المواقع المختلفة، أو من البريد الإلكتروني، أو من الفيديو الرقمي، أو الصوت الرقمي، أو من غرف الدردشة والمحادثة، أو من الملفات الشخصية، أو من الصور المرئية، أو من الدخول على الشبكة من خلال مزود الخدمة.

 

فالموقع الذي يمر به مستخدم شبكة الإنترنت يفتح سجلا خاصا به، يتضمن عنوان الموقع الذي جاء منه، ونوع الكمبيوتر والمتصفح الذي يستخدمه، وعنوان رقمIP  الدائم أو المتغير للكمبيوتر الذي يتصل منه.

 

كما أن كثيرا من مواقع ويب عندما يزورها مستخدم الإنترنت، تضع ملفا صغيرا على القرص الصلب لكمبيوتر المستخدم يسمى    Cookie يهدف إلى جمع بعض المعلومات عنه، خاصة إذا كان الموقع يتطلب إدخال كلمة مرور تخوِّل المستخدم بزيارته، ففي هذه الحالة لن يضطر في كل زيارة لإدخال تلك الكلمة إذ سيتمكن الموقع من اكتشافها بنفسه عن طريق "الكوكي" الذي وضعه على القرص الصلب في الزيارة الأولى.

 

حجية الدليل الرقمي في الإثبات الجنائي

تتمثل حجية الدليل الرقمى أو الإلكتروني فى مدى قوتها فى الإثبات أمام القضاء، واستقر القضاء المصري في الوقت الراهن على حجية الملفات التى يتم الحصول عليها من أجهزة الكومبيوتر أو ذاكرة التليفون المحمول أو أجهزة التصوير، وذلك متى اطمأن إليها القاضي الجنائي من منطلق حريتة فى تقدير الأدلة، حتى لو كانت ذات طبيعة خاصة باعتبارها أدلة إثبات فى المواد الجنائية، ومن ثم كان له أن يطرح هذا الدليل رغم قطعيته من الناحية العلمية إذا وجده يجافي العقل والمنطق من حيث ظروف وملابسات الواقعة.

 

قضايا أخذ فيها القضاء بالدليل الرقمي

وقد أخذ القضاء المصرى فى كثير من القضايا بالأدلة المستقاة من إسطوانات مدمجة، اطمأن اإليها تُظهر شخص مرتكب الحادث مثل حادث حرق المَجْمع العلمي في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وأخذ كذلك بما تتوصل إليه تقارير الخبراء واللجان الفنية المختصة التابعة للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات فى جرائم المحمول والفيس بوك والإنترنت متى اطمأن إليها.

 

كما يعتد بالتسجيلات التى يقوم المجني عليه بتسجيلها من هاتفه المحمول، لما يتلقاه مثلا من سب أو قذف أو تهديد بعد عرضها هي والمتهم على خبير الأصوات بالإذاعة، وثبوت أن المتهم هو صاحب الصوت بعد أخذ بصمة صوته بمعرفة هذا الخبير، وكذلك بما يتم تسجيله لبعض واقعات تعذيب متهمين فى أقسام الشرطة حيث يظهر فيها مرتكب الواقعة جليا دون لبس.

 

ومن هذه الوقائع قضية اشتهرت بين الرأى العام بقضية "عماد الكبير"، وهو سائق سيارة أجرة تم القبض عليه واحتجازه بدون وجه حق من جانب ضابط مباحث قسم بولاق الدكرور فى 20 يناير عام  2006، وقام بتعذيبه وهتك عرضه بأن أولج عصا غليظة فى دبره ليجبره على الاعتراف بجرم ما، ثم قام بتصويره بكاميرا تليفون محمول لتكون وسيلة ضغط عليه لفضحه أمام زملائه من السائقين، ولكن الفيديو تم تسريبه وتبادله العامة عبر البلوتوث على هواتفهم المحمولة حتى تم تفجير القضية بواسطة إحدى الصحف، وتم تقديم الفيديو المتحصل عليه بواسطة التليفون المحمول إلى جهات التحقيق وأحيل الضابط إلى محكمة جنايات الجيزة التى اطمأنت إلى هذا الدليل الإلكترونى المقدم إليها، وقضت بمعاقبة الضابط المتهم بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

 

وفى حكم آخر، أخذت المحكمة بتقرير خبير الأصوات الذى أثبت مطابقة صوت المتهم للتسجيلات التى تمت على تليفون المجني عليه وثبت منها تطابق صوت المتهم مع التسجيلات، والذى دأب على الاتصال بالعديد من الشخصيات العامة للحصول على توصيات ومنافع شخصية، ورأت المحكمة أن مسلكه هذا يعد تعديا واعتداء على حرية الآخرين وازعاجا بإساءة إستعمال أجهزة المواصلات التليفونية.

 

وفي واقعة بقسم كفر الشيخ قام فيها المتهمون بالسطو ليلا على محل لبيع مواتير رفع المياه عن طريق الكسر، ورصدت كاميرا يضعها صاحب المحل سيارة أجرة استخدمها الجناة في الحادث، وكان لهذه الصورة أثرها في سرعة ضبط الجناة فور الحادث، وكانت الكاميرا قد صورت الحادث بأكمله منذ اقتحام المحل حتى الفرار بالمسروقات وواجهتهم المحكمة بصورهم وبالدليل التقنى وقضت بإدانتهم.

 

وكذلك فى واقعة قتل عمد مقترن على الطريق العام ليلا بناحية الجرايدة مركز بيلا، تصادف وقوعه قرب كافتيريا على الطريق يضع صاحبها كاميرا مراقبة رصدت الحادث منذ بدايته حتى فرار الجناة بالسيارة والأسلحة الآلية المستخدمين فى الحادث، فكان لهذه الصور دورها فى سرعة ضبط الجناة والأسلحة واعترف اثنين منهم بارتكاب الحادث.

 

خلاصة القول أنه متى وجد القاضي اطمئنانا إلى الدليل الرقمي من خلال الفحص الفني أو أقوال الخبير الذى أعده، ووجده وثيق الصلة بالجريمة وكان واضحا فى دلالته نحو إثبات العلاقة بين الجاني والمجني عليه ومن ثم وقوع الجريمة، فإنه يكون مقبولا لديه وحجة فى إدانة المتهم، لا سيما أن الادلة الرقمية عادة ما يدعمها رأي الخبراء المختصين فى هذا المجال.

 

موضوعات لا تفوتك:

الشروع في الجريمة.. كيف حدده القانون المصري؟

عفوا ......
لايوجد تعليقات مسجله حاليا لهذا المحتوى