هل إصدار الجنايات حكماً غيابياً يمنعها من نظر إعادة الإجراءات؟ - محاماة نيوز

هل إصدار الجنايات حكماً غيابياً يمنعها من نظر إعادة الإجراءات؟

الزيارات : 2406  زائر بتاريخ : 15:33:04 05-12-2019

بقلم/ الدكتور ياسر الأمير

 

أجابت محكمة النقض علي هذا التساؤول بالنفي في حكم حديث لها، وبررت ذلك بأن سبق إصدار محكمة الجنايات حكما غيابيا ليس من الحالات التي تمنعها من إعاده نظرها لتعارضها مع ولاية القضاء، الواردة حصراً في المادة 247 إجراءات جنائية.

 

وقالت في ذلك، لما كانت المادة 247 من قانون الإجراءات الجنائية حددت الحالات التي يمتنع فيها على القاضي نظر الدعوى لما بينها وبين ولاية القضاء من تعارض، وكان ما أورده الطاعن بأسباب الطعن هو سبق إصدار المحكمة حكما غيابيا في الدعوى لا يندرج تحت أي من الحالات الواردة حصراً في هذه المادة، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير سديد.

(الطعن رقم 32900 لسنة 84 جلسة 2016 / 11 / 13)

 

هذا القضاء ليس بجديد إذ قررته محكمه النقض مرارا وتكرارا وكانت في مرة تلتمس له سند لا يستعص علي النقد، والجديد في الحكم محل التعليق استناده إلى المادة 247 إجراءات للتملص من عدم صلاحية محكمة الجنايات التي أصدرت الحكم الغيابي بدعوى عدم النص.

 

حال أن تلك المادة لا تعني حصر حالات عدم صلاحية القاض لنظر الدعوى، بدلالة أن قانون الإجراءات ذاته أحال في بيان حالات عدم صلاحية القضاة وردهم إلى قانون المرافعات، وهذا الأخير يمنع القاض من نظر الدعوى إذا سبق وأن نظرها كقاض.

فضلا عن أن من القواعد الأصولية لزوم امتناع القاضي عن نظر الدعوى إن كان لديه معلومات سابقة عنها، أو بالاحري إن كان قد سبق إبداء رأيه فيها.

 

ولاندري كيف يكون القاضى صالح لنظر الدعوى حال أنه سبق وأن أصدر فيها حكم بالإدانة؟، إذ أن الحكم الجنائي ولو كان غيابيا لا يبنى إلا على الجزم واليقين بعد اطمئنان المحكمة لأدلة الدعوى وكشفها عن رأيها فيها.

 

وإذا كان مجرد قيام القاضي بعمل مأمور الضبط القضائي أو التحقيق في الدعوى أو الإحالة يجعله غير صالح لنظرها، فإنه يفقد الصلاحيه من باب أولى وبدلالة نص المادة 247 متى سبق وأن حكم فيها ولو كان حكمه غيابيا، وليس مبنى المنع هنا القياس فهو ممتنع، وإنما مبناه مفهوم الموافقة للنص أو بالأحرى دلالة المناط.

 

ولا يعترض بأن المحاكمة الغيابية تجرى على ظاهر الأوراق دون تحقيق عناصر الدعوى، فهذا الاعتراض مردود بأن محكمة الجنايات رغم غياب المتهم قد تجري تحقيق في الدعوى، كما إذا حضر بعض المتهمين وغاب البعض الآخر، إذ أوجب القانون في هذه الحالة على المحكمة تحقيق الدعوى من سماع الشهود وخلافه.

 

كما أن القانون أجاز لمحكمة الجنايات عند غياب المتهم أن تحقق عناصر الدعوى وتسمع طلبات النيابه العامة والمدعي المدني (المادة 385 إجراءات جنائية)، ولا يعترض كذلك بأن القانون لم يشترط أن تعاد إجراءات المحاكمة الغيابية أمام دائرة أخرى غير التي أصدرت الحكم، فهذا الاعتراض مردود عليه كذلك بأن عدم النص يعني الرجوع إلى الأصل وهو وجوب إعاده الإجراءات أمام محكمة لم يسبق لها إبداء الرأي في الدعوى.

 

والأصل لا يحتاج في كل مرة إلى نص يقرره وأنما الخروج عليه يوجب النص، وهو ما نص عليه قانون الإجراءات الجنائية بشأن المعارضه في حكم الجنح الغيابي.

 

ولا نبعد عن الحقيقة إن قررنا أن القاضي الذي أصدر الحكم الغيابي يفقد صفه الحياد التي هي بنص المادة 93 من الدستور ضمانه أساسية لحماية الحقوق والحريات، وبالتالي فإن إعادة إجراءات المحاكمة الغيابية أمام ذات القاضي مصدر الحكم الغيابي يخالف الدستور بل يهدر مبدأ المحاكمة القانونية العادلة المنصوص عليه بالمادة 94 من الدستور.

 

ومن ثم فإن تسجيل محكمة النقض أن المادة 247 إجراءات لا تمنع إعادة إجراءات المحاكمة الغيابية أمام ذات القاضي مصدر الحكم الغيابي، يعني عدم دستورية هذه المادة وهو ما يجب تنزيه المشرع عنه، لأن رفع التعارض بين القانون والدستور بتأويل النص القانوني تأويلا يجيره من الوقوع في شرك المخالفه الدستورية أولى من جلب النسخ، وهو ما فات علي محكمة النقض ملاحظته رغم صدور الحكم محل التعليق في ظل دستور 2014.

 

موضوعات لا تفوتك:

هل قتل الزانية وعشيقها للزوج دفاع شرعي عن النفس؟

عفوا ......
لايوجد تعليقات مسجله حاليا لهذا المحتوى