متى يبلغ الطفل سن المسئولية الجنائية؟ - محاماة نيوز

متى يبلغ الطفل سن المسئولية الجنائية؟

الزيارات : 347  زائر بتاريخ : 17:27:32 05-12-2019

بقلم/ الباحث القانوني - مجدى محمد عباس

تحدثنا في المقال السابق عن الطفل في القانون الوضعي، وذكرنا موقف بعض القوانين العربية منها مصر والسعودية والكويت والإمارات، وتبين أنهم متفقون على تحديد سن الحدث بـ18عاما، وأن الحدث لا يخضع للمسؤولية الجنائية الكاملة حيث يتم تخفيف العقوبة عليه كما ذكرنا.

 

والآن نتطرق للطفل في الإسلام باعتباره دين الدولة الرسمي، وذلك بنص المادة الثانية من الدستور المصري لسنة ٢٠١٤، ونتناول في مقال اليوم نقطتين الأولى متى يبلغ الطفل سن المسئولية الجنائية؟، والثانية المسئولية الجنائية للطفل.

 

متى يبلغ الطفل سن المسؤلية الجنائية؟

قسم فقهاء الشريعة الإسلامية عمر الطفل إلى مراحل خمسة، أذكر منها مرحلتين هامتين هما لب الموضوع، مرحلة البلوغ أي فترة انتقاله من سن الصغر إلى سن الكبر، ومرحلة الرشد أي اكتمال العقل، ولكن السؤال هنا ما هو سن البلوغ في الإسلام؟.

 

علامات بلوغ الطفل في الإسلام

فقهاء الشريعة الإسلامية قالوا إن للبلوغ علامات منها ما هو خاص بالذكر ومنها ما هو خاص بالأنثى، كالاحتلام ونبات الشعر الخشن على العانة للذكر، والحيض والحمل للأنثى، حتى يصلا إلى سن الخامسة عشر فإنه يحكم ببلوغهما، وهذا هو مذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية وهو رواية عن أبي حنيفة رحمهم الله جميعا.

 

ودليلهم في ذلك خبر ابن عمر رضي الله عنهما قال: عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني. (متفق عليه)

 

وقال ابن قدامة في المغني: (وأما السن فإن البلوغ به في الغلام والجارية بخمس عشرة سنة).

 

وقال الشافعي: ليس على الصبي حج حتى يبلغ الغلام الحلم، والجارية المحيض في أي سن بلغاها، أو استكملا خمس عشرة سنة.

 

وقال في كنز الدقائق:ويفتى بالبلوغ فيهما - أي الذكر والأنثى - بخمس عشرة سنة، وهذا عند أبي يوسف ومحمد وهو قول الشافعي ورواية عن أبي حنيفة.

 

وذهب المالكية إلى أن سن البلوغ عند عدم وجود باقي العلامات هو ثمانية عشر عاما، وقال خليل في مختصره: والصبي لبلوغه بثماني عشرة، أوالحلم، أو الحيض أو الحمل أو الإنبات.

 

وذهب أبو حنيفة في الرواية الأخرى إلى أن بلوغ الذكر والأنثى عند عدم وجود العلامات، هو ثماني عشرة سنة للغلام وسبع عشرة سنة للجارية، كما ذكره عنه صاحب كنز الدقائق.

 

والراجح هو القول الأول كما ذكرنا، وعليه فإن من بلغ هذا السن عاقلا يكون مكلفا مسؤولا عن كل ما يصدر منه من أقوال وأفعال، والحكمة في ذلك ذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر فقال: والحكمة في تعليق التكليف بخمس عشرة سنة أن عندها بلوغرالنكاح وهيجان الشهوة والتوقان، وتتسع معها الشهوات في الأكل والتبسط ودواعي ذلك، ويدعوه إلى ارتكاب ما لا ينبغي، ولا يحجزه عن ذلك، ويرد النفس عن جماحها إلا رابطة التقوى وتشديد المواثيق عليه والوعيد، وكان ذلك قد كمل عقله واشتد أسره وقوته، فاقتضت الحكمة الإلهية توجه التكليف إليه لقوة الدواعي الشهوانية، والصوارف العقلية، واحتمال القوة للعقوبات عند المخالفة.

 

وبهذا يتضح لنا أن الفقهاء اتفقوا على أن العلامات إن ظهرت في أي سن فقد بلغ الطفل واختلفوا في تحديد سن البلوغ، إن لم تظهر علامات البلوغ على ثلاثة أقوال: الأول وهو قول الجمهور، خمسة عشر سنة، وهو الراجح، والثاني وهو قول المالكية ثماني عشرة سنة، والثالث وهو رواية عند الحنفية يبلغ الذكر بثماني عشرة سنة والأنثى بسبعة عشر سنة.

 

المسئولية الجنائية للطفل

قال ابن قدامة المقدسي: لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا قصاص على صبي ولا مجنون، ثم قال رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يبلغ، وعن النائم (والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم)، ولأن القصاص عقوبة مغلظة فلم تجب على الصبي وزائل العقل حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، كالحدود، ولأنهم ليس لهم قصد، فهم كالقاتل خطأً.

 

ومنها ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري قال: مضت السنة أن عمد الصبي خطأٌ، وعن قتادة قال: عمد الصبي خطأ، وقال سفيان الثوري: لا تقام الحدود إلا على من بلغ الحلم.

 

وروى ابن أبي شيبة في باب جناية الصبي العمد والخطأ، عن الحسن أنه قال في الصبي والمجنون: خطؤهما وعمدهما سواء على عاقلتهما، ثم روى عن علي بن ماجدة قال قاتلت غلاما فجدعت أنفه، فأُتي بي إلى أبي بكر فقاسني فلم يجد في قصاصا لأنه كان صبيا، فجعل على عاقلتي الدية.

 

وبناء على ما سبق فإن الصبي إذا قتل أو قلع عينا فتلزم الدية على عاقلته، ولا يجوز أن يقال إنه صبي غير مكلف، فلا يتحمل تبعة أفعاله، لأنه من المقرر عند العلماء أن لزوم الدية على جنايته وكذا ضمان ما أتلف من مال، إن ذلك من باب خطاب الوضع وليس من

باب خطاب التكليف، إذ بينهما فرق واضح.

 

خلاصة الأمر أن أهلية الإنسان لها أحكام مختلفة في كل مرحلة من المراحل الخمس التي يمر بها، وأن الإنسان في مرحلتي الطفولة والتمييز يؤاخذ ماليا على تصرفاته في حقوق العباد، فيضمن المتلفات ونحوها، وأن الطفل مميزا كان أو غير مميز إذا قتل شخصا أو أتلف عضوا كقلع العين، فإنه لا يعاقب على فعله ولو كان متعمدا، وعمد الصبي خطأٌ عند جمهور الفقهاء لأنه ليس له قصد صحيح، ولكن تجب في فعله الدية كاملة إذا قتل، ونصفها إذا قلع العين، وتجب الدية على العاقلة في هاتين الحالتين، وعاقلة الإنسان عصبته، وهم أقرباؤه من جهة الأب، وتجب الدية عليهم مقسطة على ثلاث سنوات.

 

وبناء على ما تقدم نعلم أن الطفل الذي لم يبلغ سن التكليف، ليس عليه مسؤلية جنائية كاملة في الشرع الحنيف، ولكن تطبق عليه الأحكام الوضعية كما تبين.

 

وإلى هنا نتوقف، وفي المقال القادم باذن الله تعالى، نقارن بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية لكي نقف على الفائدة، ونرد على دستورية قانون الطفل في هذا الباب من عدمه.

 

موضوعات متعلقة:

جرائم الطفل في الفقه المقارن.. مقتل محمود البنا نموذجا

عفوا ......
لايوجد تعليقات مسجله حاليا لهذا المحتوى