أحمد أمين يكتب: أساسيات لا غنى للمحامي والمتقاضي عن معرفتها - محاماة نيوز

أحمد أمين يكتب: أساسيات لا غنى للمحامي والمتقاضي عن معرفتها

الزيارات : 343  زائر بتاريخ : 09:02:40 15-11-2019

هناك أساسيات في سير أي دعوى سواء مدنية أم جنائية أم أسرة أو حتى أمام القضاء الإداري, يجب الإلمام بها جيدًا سواء من السادة المحامين أو من المتقاضين أو حتى من السادة القضاة أنفسهم, سنحاول أن نتناولها في ثلاث مقالات متعاقبة بإذن الله تعالى .. لعل من أهمها هو ما نص عليه المشرع في المادة الأولى من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية (على الدائن إثبات الإلتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه) .. مصداقًا للحديث الشريف ( لو يعطي الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودمائهم، إنما البينة على المدعي واليمين على من ينكر). وإتفاقا مع العقل والمنطق من حيث أن من يدعي أمرًا يقع عليه عبء إثباته.

 

وهذه المادة تأتي أهميتها في أنها تحدد مَن الذي يقع عليه عبء إثبات الدعوى أو الدفع الذي يُبديه، وفي هذا لاشك مشقة على كاهل أحد طرفي الدعوى لاتخفى.

 

وعلى الرغم من بساطة تلك المادة التي تظهر للعيان، ومن كونها تتفق مع العقل والمنطق من حيث أن من يدعي أمرًا ما هو من يقع عليه عبء إثبات مايدعيه، إلا أن الأمر لا يخلو من ثمة صعوبات ..

 

فالثابت أو الظاهر على ثلاثة أنواع : الثابت ظاهرا أو الظاهر أصلا (هناك من الفقهاء وهم الأغلبية من يستعملون مصطلح الثابت ظاهرًا ومنهم من يستعمل الظاهر أصلا وإن كنت أنا أميل إلى المصطلح الأخير لدقته أكثر)، والثابت عرضًا ، والثابت فرضًا.

 

فالوضع (الظاهر أصلًا) أو الثابت ظاهرًا هو الأصل في الأشياء وهو مالايكلف أحد بإثباته، فمثلًا الأصل هو براءة الذمة من الديون وعلى من يدعي إنشغالها عبء إثبات ذلك. والأصل كذلك في الإنسان البراءة فإذا فشلت بالتالي النيابة العامة في إثبات التهمة على من تتهمه ( كما إذا خلت الأوراق من ثمة دليل إدانة على الإطلاق أو لم يكن بالأوراق سوى تحريات الشرطة مثلا) فيتعين على المحكمة وقتها أن تقضي بالبراءة دونما تكليف للمتهم أن يثبت هو براءته، لأن البراءة أصلٌ مفترضٌ في كل إنسان.

 

ومثلا الأصل في التعاملات هو حسن النية. والأصل في إستعمال الحقوق عدم التعسف فيها ومن يدعي التعسف يقع عليه عبء إثبات ذلك.

 

كذلك فالثابت من حيث الظاهر أن من يحوز شيئا ( عقارا أو منقولا يعد مالكا له ) إلى أن يثبت خصمه عكس ذلك.

 

أما الثابت عرضًا فهو عكس الثابت ظاهرًا، بمعنى أن المدعي إذا نجح في إثبات صحة مايدعيه أصبح ذلك في حد ذاته ثابتًا عرضًا بالدعوى، وينتقل عبء إثبات عكس ذلك على الخصم لنفيه، فإذا نجح أضحت الحقيقة الجديدة ثابتة عرضا .. لذا فقد قيل وبحق أن الثابت ظاهرًا لايكون إلا أمرًا واحدًا أما الثابت عرضًا فمن المتصور أن يكون أمورًا كثيرة في كل دعوى. وهكذا يتقاذف الخصمان الكرة فيلقي كل منهما بها في نحر الآخر, حتى تسقط من يد أحداهما ويخسر دعواه.

 

أخيرًا فإن الثابت فرضًا فهي تلك القرينة التي فرضها المشرع فإن كانت قاطعة فلايمكن إثبات عكسها (مثال ذلك إكتمال مسئولية الشخص مدنيا عند سن الواحد والعشرين عاما حتى ولو كان بالغ الذكاء و الإدراك قبل هذا السن وإكتمال مسئولية الشخص جنائيا عند سن الثامنة عشرحتى ولو كان فتيا قويا قبل هذا السن) أما إن كانت قرينة بسيطة فينقل عبء إثبات عكسها حينئذ على الخصم ويعفي من تقررت لمصلحته من اثباتها (مثال: الوفاء بقسط من الأجرة يعد قرينة على الوفاء بالاقساط السابقة عليه) وبالتالي فإن المستأجر الذي يكون قد سدد أجرة شهر نوفمبر 2019 مثلا، يعد ذلك قرينة على سداد كل الشهور السابقة على ذلك التاريخ، وإن كانت قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس من قبل المؤجر ولا يكلف المستأجر بإثبات سداد شهر يناير 2019 مثلا في ذلك المثل.

 

وكذلك ما نص عليه القانون المدني بالمادة 917 مدني من إعتبار تصرف الوارث بعقار يملكه لأحد ورثته وصية لا بيعا إذا ظل المتصرف منتفعا بالعقار حتى وفاته, وعلى المتصرف إليه أن يثبت هو أن التصرف هو بيع حقيقي وليس وصية, وليس على عاتق من له مصلحة من الخصوم أن يثبت أن التصرف ينطوي على وصية.

 

 أساسيات المحاماة.. إداريات وبدائيات تهم كل شباب المحامين

 

مع ملاحظة أن هناك صعوبات معينة تختلف بإختلاف سير كل دعوى ، فمثلا الأصل في تقادم دعوى المسئولية المدنية عدم علم المضرور بالضرر أو بشخص مرتكبها ومن يدعي إثبات سقوط الدعوى بالتقادم أن يثبت علم المضرور بذلك.

 

كما أن القضاء بفسخ العقد الذي يشمل التزاما بالتعويض الاتفاقي أو الشرط الجزائي ، يكون فيه إثبات الضرر على عاتق من المدعي وليس الخصم ، لأنه بفسخ العقد يستند إلى قواعد المسئولية التقصيرية وليست قواعد المسئولية العقدية .

 

الأمر الذي يجب الإشارة إليه بأهمية كبيرة وهي أن قواعد الإثبات لاتتعلق بصفة عامة بالنظام العام ويترتب على ذلك الآتي :

1- أنه يجوز الإتفاق على مايخالفها سواء قبل المنازعة على الواقعة نفسها أو أثناء ذلك.

2- الخصم الذي يتطوع ويتبرع بطلب نفي واقعة معينة ليس مكلفا بإثباتها يكون قد أعفى خصمه منها ويكون قد ألزم نفسه بنفسه بهذا العبء. ولا تملك المحكمة رفض ذلك بداعي أنه ليس المكلف بعبء الإثبات. فإذا أخفق الخصم في ذلك يخسر دعواه.

3- حال تسليم الخصم أو إقراره بطلبات المدعي بالدعوى، يكون قد أعفى خصمه من عبء الإثبات.

 

فمثلا وقد حدث معي شخصيا بإحدى الدعاوى وكنت عن المدعي بها، وحضر وكيل المدعى عليه ودفع دفعا معينا، نظر إلىَ رئيس المحكمة في تلميح إلى الإستفسار عن ردي على هذا الدفع المُبدى، ولما لم يُقدم الخصم مايثبت به إدعائه سكتُ إعمالا للقاعدة الأصولية أنه لا ينسب لساكت قول وطلبتُ حجز الدعوى للحكم، حجزتْ المحكمة الدعوى للحكم ثم فوجئتُ بحكمٍ تمهيدي يُكلف المدعي الذي أمثله بإثبات الدفع المُبدى من الخصم، حضرتُ بالجلسة ودفعتُ بتمسكي بنص المادة الأولى من قانون الإثبات وأن هناك فرقٌ بين مدعي الدعوى ومدعي الدفع وأن الخصم هو المكلف قانونا وفق نص م الأولى من قانون الإثبات على إثبات صحة دفعه ثم طلبت عدول المحكمة عن هذا الحكم التمهيدي وحجز الدعوى والفصل فيها بحالتها.

 

فقضت المحكمة بما طلبت تطبيقا لصحيح نصوص القانون وقضت بقبول دعواي ورفض دفع الخصم.

 

لاحظ هنا أنني لو كنت قد رضختُ لقرار المحكمة وسايرتها فيما ذهبتْ إليه وفشلتُ في إثبات نفي دفع الخصم لكنت أنا من خسرتُ دعواى، ولكن لأنني أتفهم نص المادة جيدا بفضل الله، نبهت المحكمة إلى الصحيح قانونا، فقضت به .. فالقاضي بشرٌ مثلنا يُخطئ ويُصيب وقد يحتاج إلى من يُلفت نظره في إعمال صحيح القانون.

 

أخيرًا : أرجو أن أكون قد وفقتُ في طرح أهمية نص المادة الأولى من قانون الإثبات في هذه المساحة الصغيرة المتاحة لشرحها .

 

قضية : أقام (أ) دعوى ضد (ب) يُطالب فيها خصمه برد مبلغ دين قدره خمسة آلاف جنيه ، طالبًا إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات ذلك بكافة طرق الاثبات، حضر المدعى عليه أول جلسة لنظر الدعوى ولم يُبد أي دفع وبعد انتهاء جلسات التحقيق دفع (ب) بعدم جواز إثبات مايجاوز مبلغ ألف جنيه إلا بدليل كتابي, وطلب رفض الدعوى.

هل تقضي المحكمة برفض الدعوى، أم بقبولها؟

 

موضوعات يجب أن تقرأها:

 

فلوسكم حرام.. حوار يدور مع كل المحامين

 

حيثيات الحكم التاريخي بأحقية المحامين في ترخيص السلاح

 

حصانة المحامي.. حظر الإدعاء المباشر ضد المحامين بسبب حق الدفاع 

عفوا ......
لايوجد تعليقات مسجله حاليا لهذا المحتوى